اسماعيل بن محمد القونوي
257
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يضمر فيه الخيل وكالميقات فإنه المكان الذي أحرم فيه من وقته بمعنى عينه وقد يجيء للمبالغة كمطعام لمن كثر الطعام والمراد المكان لأن الباء تدل على الظرفية والقول بأنه يجوز أن يكون لمبالغة اسم الفاعل على أن الباء تجريدية تكلف مع أن اعتبار التجريد هنا لا يخلو عن سوء أدب كما لا يخفى على المتأمل لكن لا يلزم على هذا إطلاق المرصاد على اللّه تعالى كما قيل لأنه استعارة كالخادع والماكر . قوله : ( وهو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب ) الأولى وهو تمثيل لحفظ أعمال العصاة والعقاب أي شبه الهيئة المنتزعة من كونه تعالى حافظا لأعمال العباد ومجازيا عليها بحيث لا محيص عنه بالهيئة المأخوذة من القاعد على الطريق مترصدا منتظرا لمن يسلكها من أصحاب الجناية ليأخذه ويفعل ما يستحق به لأجل الجناية فذكر ما هو موضوع للهيئة المشبه بها وأريد الهيئة المشبهة لتوضيح المعقول بالمحسوس فإنه يجعل المتخيل متحققا . قوله تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 15 ] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) قوله : ( متصل بقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] كأنه قيل إنه لبالمرصاد من الآخرة فلا يريد إلا السعي لها فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها ) والاتصال ظاهر لذكره عقيبه لكن لما كان ما بعد الفاء متنافيا لما قبلها ظاهرا إذ التفريع كونه طاعة وعبادة أشار إلى وجهه بقوله كأنه قيل إنه تعالى لبالمرصاد من أجل الآخرة فلا يريد الخ نبه به على أن المتفرع على ما قبله إرادة اللّه تعالى السعي لها بمعنى طلبه ذلك أوامره فلا إشكال في الحصر بأنه بناء على أنه تعالى لا يريد المعاصي وهذا مذهب المعتزلة لأنه قد مر مرارا أن معنى اللفظ محمول على مذهب القائل فليس المراد الإرادة بالمعنى المتعارف في كلام المص وفي كلام الزمخشري هي بالمتعارف ويندفع إشكال آخر أيضا وهو أنه يلزم منه تخلف المراد عن الإرادة العلية وهو أيضا بناء على الاعتزال لأنه بمعنى الأمر والطلب في كلام القاضي بقرينة كونه من أكابر أهل السنة قوله فأما الإنسان الخ أي هذا متفرع على المتفرع على الإرصاد وكلمة أما لجواب سؤال مقدر كأنه قيل فما بال الإنسان إذا كان مراد اللّه تعالى السعي في الآخرة فأجيب بأن الإنسان عكس ذلك فسعى للدنيا وأضاع عمره في الهوى ولو قيل إن المتفرع على الإرصاد وإن لم يكن ما ذكر في نفس الأمر لكنه جعله متفرعا عليه فيكون تنبيها على شدة شكيمتهم لكان أخصر في البيان ولا يحتاج إلى اعتبار حذف الإيجاز كما يوهمه بيان المصنف . قوله : وهو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب يعني أن قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] استعارة تمثيلية شبه حال كونه تعالى حفيظا لأعمال العباد ومترقبا لها ومجازيا عليها على النقير والقطمير بحالة من قعد على طريق السابلة يترصد ويتفحص عن حالهم ثم استعمل في المشبه ما هو موضوع للمشبه به وروى الواحدي عن الكلبي أنه قال لا يفوته شيء من أعمال العباد كما لا يفوت شيء بالمرصاد .